الشنقيطي
308
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تعالى : وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ [ الطلاق : 2 ] ، وقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ [ النساء : 135 ] . المسألة الثانية : قوله بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ ( 33 ) في معرض المدح ، وإخراجهم من وصف إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) [ المعارج : 19 ] يدل بمفهومه أن غير القائمين بشهاداتهم غير خارجين من ذلك الوصف الذميم . وقد دلت آيات صريحة على هذا المفهوم ، منها قوله تعالى : وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [ البقرة : 283 ] ، وقوله : وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ ( 106 ) [ المائدة : 106 ] . وكذلك في معرض المدح في وصف عباد الرحمن في قوله : وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [ الفرقان : 72 ] . وفي الحديث من عظم جرم شهادة الزور ، وكان صلى اللّه عليه وسلم متكئا فجلس ، فقال : « ألا وشهادة الزور ، ألا وشهادة الزور ، فما زال يكررها حتى قلنا : ليته سكت » « 1 » . تنبيه قوله : وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ ( 33 ) يفيد القيام بالشهادة مطلقا ، وجاء قوله : وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا [ البقرة : 282 ] فقيد القيام بالشهادة بالدعوة إليها . وفي الحديث : « خير الشهود من يأتي بالشهادة قبل أن يسألها » « 2 » . وفي حديث آخر في ذم المبادرة بها ، ويشهدون قبل أن يستشهدوا . وقد جمع العلماء بين الحديثين بأن الأول في حالة عدم معرفة المشهود له بما عنده من شهادة ، أو يتوقف على شهادته حق شرعي كرضاع وطلاق ونحوه ، والثاني بعكس ذلك . وقد نص ابن فرحون أن الشهادة في حق اللّه على قسمين ، قسم تستديم فيه الحرمة كالنكاح والطلاق ، فلا يتركها ، وتركها جرحة في عدالته ، وقسم لا تستديم فيه الحرمة كالزنى والشرب ، فإن تركها أفضل ما لم يدع لأدائها . لحديث هزّال في قصة ماعز حيث قال له صلى اللّه عليه وسلم : « هلا سترته بردائك » « 3 » .
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي بكرة البخاري في الأدب حديث 5976 ، والاستئذان حديث 6274 . ( 2 ) أخرجه عن أبي هريرة مسلم في الأقضية حديث 19 . ( 3 ) أخرجه أبو داود في الحدود حديث 4377 .